محمد متولي الشعراوي
758
تفسير الشعراوي
إن الحق يذكر عباده بفضله عليهم ، وأيضا بفضل الوالدين ، ولكن إن كان الوالدان مشركين باللّه فلا طاعة لهما في هذا الشرك ، ولكن هناك الأمر بمصاحبتهما في الحياة بالمعروف واتباع طريق المؤمنين الحاملين للمنهج الحق . لذلك فالإنسان المؤمن يستطيع أن يوصى بشئ من الخير في وصيته للأبوين حتى ولو كانا من الكافرين ، ونحن نعرف أن حدود الوصية هي ثلث ما يملكه الإنسان والباقي للميراث الشرعي . أما إذا كانا من المؤمنين فنحن نتبع الحديث النبوي الكريم : « لا وصية لوارث » « 1 » . وفي الوصية يدخل إذن الأقرباء الضعفاء غير الوارثين ، هذا هو المقصود من الاستطراق الاجتماعي . والحق حين ينبه عباده إلى الوصية في أثناء الحياة بالأقربين الضعفاء ، يريد أن يدرك العباد أن عليهم مسؤولية تجاه هؤلاء . ومن الخير أن يعمل الإنسان في الحياة ويضرب في الأرض ويسعى للرزق الحلال ويترك ورثته أغنياء بدلا من أن يكونوا عالة على أحد . عن سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه قال : « جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعودني ، وأنا بمكة ، قال : يرحم اللّه بن عفراء ، قلت : يا رسول اللّه أوصى بمالي كله ؟ قال : لا . قلت : فالشطر ؟ قال : لا . قلت الثلث ؟ قال : فالثلث ، والثلث كثير ، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » « 2 » . وإذا رزق اللّه الإنسان بالعمل خيرا كثيرا فإياك أيها الإنسان أن تقصر هذا الخير على من يرثك . لماذا ؟ لأنك إن قصرت شيئا على من يرثك فقد تصادف في حياتك من لا يرث وله شبهة القربى منك ، وهو في حاجة إلى من يساعده على أمر معاشه فإذا لم تساعده يحقد عليك وعلى كل نعمة وهبها اللّه لك ، ولكن حين يعلم هذا القريب أن النعمة التي وهبها اللّه لك قد يناله منها شئ ولو بالوصية وليس بالتقنين الإرثى هذا القريب يملأه الفرح بالنعمة التي وهبها اللّه لك .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في سننه والدارقطني عن جابر . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي .